ما دون الصفر ( _ 0 )

كتبهاعبلة زقزوق ، في 24 أغسطس 2006 الساعة: 06:50 ص

 

خرجت من بيت أمها وهي متأكدة أن لا عودة بعدها .
حملت حقيبة يدها ، وحقيبة أخرى تضم بعض من أغراضها التي كانت تحملها منذ أيام ، عندما أتت وطرقت هذا الباب .
سارت في الطريق وهي تحاول أن تغالب دموعها ، تحاول أن تستبعد عن ذكرياتها كل منغصات حياتها ، تريد أن توهم نفسها ولو للحظات ، أنها أصبحت حرة … ولم تعد تلك الأسيرة ؛ لمشاعرها المخدوعه .
أخذت تتلفت يمنى ويسرى لعلها تستلفت بنظرها ما يجدد الأمل بداخلها ، ويبعد عن رأسها تلك الأفكار. .
ظلت سائرة رافضة أن تستقل أية حافلة مارقة بجوارها ، حيث انها تريد أن تشتنشق ولو بعض من هواء حريتها ولو لبضع لحظات، رغم علمها أنها ليست حرية حقيقة بل إفتراضية مؤقتة .
ورغماً عنها وفي غفلة منها ، رأت شريط من الذكريات يمر أمام عينيها يعيد عليها أحداث عصفت بها ، بل ما زالت تعصف بكل كيانها
فلقد جاءت إلى بيت أمها منذ ما يقرب الأسبوعين ، لتجد أختها تقيم هي وزوجها وأبناؤها بذات العين .

ولكنها تواجدت بينهم؛ فهذا هو البيت الوحيد الذي تستأمن فيه على نفسها .
فمن خلال جدرانه تأمل دائماً أن تجد الملاذ والحماية ، وتتمنى ولو للحظات أن تستعيد جميل ذكريات طفولتها وبراءة مشاعرها .
لقد كانت فيما مضى تظن أن حُسن السير والسلوك سيكونان شافعين لها عندما يأتي ميعاد زواجها ، لكن الرياح دائما تأتي بما لا تشتهي السفن .
لقد عاشت منذ صغرها وحتى يوم خطبتها ثم زواجها الذي فُرض عليها فرضاً بين جدران هذا البيت ، والذي كان شاهداً على مدى قهرها ، أكثر من الأفراد الذين يلتحفون بسقف جدرانه .
وها هي عند دخولها عتبته وجدت ترحيباً يشوبه بعض الضيق من أمها ، وذلك لادراكها أن أبنتها أتت إليها غاضبه ؛ تاركة لبيت زوجها ، حيث أنها هي التي آثرت وتفاعلت بشكل درامي كي تزوج أبنتها الكبري والتي لم تكن تتجاوز الثامنة عشر من عمرها ، ممن تراه خيرا وأفضل من جميع الشبان الذين تقدموا حين ذاك أوممن بدت عليهم ملامح الاعجاب والتي سوف يعقبها بدون شك التقدم للخطبة والزواج " لحُسن سير وجمال الخلقة والخلق لأبنتها "…ولأنها كانت ترى أن هذا الرجل الذي يكبر أبنتها بأربعين عاما مناسبا في ماديّاته ومركزه الوظيفي العالي ، تناست بل تغافلت عن عمد ؛ فارق السن … وها هي أبنتها تأتيها رافضة العيش مع من أرتضته لها منذ سنين . ولكن مهما مضت تلك السنين إلا أنها مازالت نابضة بالألم . .
أخذتها بالترحاب والتظاهر بالمواساة . وهمست لها : ـ عندما تأتي أختك لا تصاريحها بمشاكلك .
ـ ماذا أقول ؟
ـ قولي أنك أتيتيِ لكي تستجمي معنا بعض يوم .
طفرت من عينيها دمعات آتتها قسراً عنها ، حتى كادت أن تصل بها إلى حد النحيب بصوت عالي .. مما جعل أمها تسرع إليها وتربت عليها وهي تحتضنها قائلة ـ لم أكن أعلم أن عمره سيطول إلى هذا الحد ؛ هوني عليكِ ويكفيكِ من الدنيا ولدك فهو زينة الشباب ، فلقد صار رجلا ؛ والجميع يحسدونك على طيبته وتربيته العالية . هوني عليك قبل أن تأتي أختك .
تمسح دموعها وهي تنظر لأعلى ؛ ليس إلى أمها، بل إلى الفراغ الذي باتت تستشعره حولها.
نعم لقد مر على زواجها اكثر من عشرين عاما ؛ وكم من مرة أتت وطرقت نفس الباب، ولكنها كانت تعود منه إلى حيث ما لا تريد لأنه مازال عليها الاستمرار لتربية ولدها، وحتى لا يشمت شمات العائلة .
آه؛ كم باتت ودموعها تغرق وسائد مرقدها … فتلك الوسائد أصبحت قريبة من نفسها ولم لا ؛ فهي التي تعلم مدى معاناتها وعظيم ما تقاسيه في وحدتها ومن حرقة مشاعرها ليل نهار …

ـ ولكن لم أعد أطيق يا أمي ؛ هكذا خرجت عباراتها قسرا عما تريد أن تسمعه منها امها، ولكنها أكملت متغاضية عن نظرات التأسف من عينيها
ـ من حقي أن أعيش يا أمي ؛ العمر يمضي والسنين تجري وأنا أحيا بكنف رجل لم أكن له زوجه سوى ليلة واحده ، كان نتاجها هذا الطفل والأبن الوحيد قرة عيني ؛ ولكن ماذا أفعل ؟ لا أريد أن أبخس حق نفسي أكثر من هذا ، أبني صار رجلا ، ولا يخشى عليه ، ومن حقي أن أسعى ، لما أسعى إليه … فهو يعلم ؛ ويوافق على قراري هذا .
ـ وأبوه ؛ زوجك يعلم ؟!!
ـ نعم ؛ لقد أفصحت له عما بداخلي … لا ؛ ليس بكل شئ ، ولكن صرحت بما يجب وتركت البيت وأتيت ، وسوف يأتي مصطفى لكي يساعدني في الحصول على الطلاق وبعدها نتزوج .
ـ هذا الرجل وراءك ؟!! سوف يخرب عليكِ حياتك وبيتك ، أفيقي ؛ إنه يتلاعب بكِ .
ـ لا أنه صادق ؛ كما أنه ليس بالغريب ، انه إبن عمتي كما تعلمين .
ـ مهما يكن ؛ فهو متزوج وزوجته لن ترضى ؛ وسوف تقيم الدنيا ولن تقعدها
ـ إنه مُصر؛ ويقول أن حياته بدأت عندما بدأت أتجاوب مع مشاعره .

………………
عند هذا الحد تقف مشدوهة وسط الطريق وكأن أحدهم طرق رأسها بمطرقة من حديد ، فترتج جميع أوصال جسدها النحيل . وهي تهمس لنفسها في إندهاش لماذا أسترجع كل تلك المواقف آلا لي منها من خلاص ؟!!!!!…

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص وروايات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

14 تعليق على “ما دون الصفر ( _ 0 )”

  1. سأنتظر النهاية ولا اتسرع مع ان هناك الكثير مما يقال

  2. صباح السعادة والرضا أخي الفاضل / أنور الزيادات أغفر لي فلقد جعلتها قصة قصيرة وذلك خشية تسرب الأحداث وعدم تتابعها معي ، فربما أتجاوز خطوط بدأتها هنا … لأن القصة وليدة اللحظة على الكيبورد . لذا جعلتها مجموعة قصصية متفرقة عن نفس شخصية تلك القصة ، لانها شخصية ثرية الأحداث مليئة بالمتناقضات لكل مقاييس الحياة التي نعلمها . فأغفر لي… وأقصر تعليقك على أحداث تلك القصة … تقديري وجزيل شكري

  3. اهلا .. عبلة … ارجو ان لا تغضبي مني ان كنت قاسيا معك في تعليقي .. احترامي لك و لكلماتك يفرض عل ان اكون صادقا وان لا اكون مجاملا و اسمحي لي ان انصب نفسي ناقدا بسيطا و الامر لك بعدها … 1- حاولي ان تختاري افكارا جديدة .. و اذا لم تكن الفكرة جديدة عليك بتناولها بطريقة جديدة -2-اضافتك شخصية مصطفى افقد البطلة الشيء الكثير -3- لا تكثري الاستطرادات و السرد والمصطلحات الشائعة ذلك يقربها من فن المقالة ويبعدها عن شاعريتها 4- حاولي استخدام شيء من الرمزية 5- عندما تكتبين عملا ما اتركيه لفتره ولو وجيزة ثم طالعيه مرة اخرى او اكثر ثم قرري…. ارجو ان تطبقي المثل القائل امشي وره الي يبكيك … ارجو ان تأخذي كلماتي حرصا و احتراما … لك قلم جيد يستحق العناية كي يظهر بريقه جليا ….. لك تقديري و شكري على مكتبتي في مدونتي و اعتز جدا بكلماتك ….

  4. صديقتي عبله اثارت القصه فضولي وانتظر النهايه بفارغ الصبر…واشكرك لمرورك المتواصل داخل مدونتي المتواضعه….وانا اتفق ايضا مع الاخ عماد ولكن هذا لاينفي انك قد استحوزتي باسرادك القصه جل انتباهنا…بنتظار الجزء الثاني بكل تشوق

  5. كم يسعدني الوقوف على حرفك الشيق nihad_sad وشكرا لجميل الثناء للقصة … والقصة ليس لها جزء ثان بل سأتبعها بقصص قصيرة مستقلة . تقديري وجزيل شكري وإحترامي

  6. الشكر لن يفي حقك أخي الفاضل / عماد السامرائي عندنا مثل قائل ” يا بخت من بكاني ولا ضحكني وضحك الناس عليه ” من هذا المنطلق أشكرك وسوف أتبع نصيحتك بكل تقدير وإعزاز .. فتلك القصة وليدة اللحظة ولم أعطها حقها بالمتابعة … لذا ؛ فهذا فعلا هو ما أستحقه من نشرها . ولكن لا أظن أنها أتت في صورة مقالة أو قريبة من ذاك … إنها إقصوصة صغيرة تحمل مقوماتها بأبعاد الحدث والسرد .. تقديري لرأيك وعلمك وأسلوبك . تحياتي وجزيل شكري أخي الكريم

  7. لا ليس لها من خلاص فلقد وصمت نفسها بالعار .. فلم تعد الأم والزوجة الصالحة … ولا أظن أنها في يوم ستحترم ذاتها . وعلى ما أظن أن مصطفاها لم يتزوجها … فياليها تسجد لربها وتستغفره عما أدنبت . قصتك جميلة وفيها من العبر … شكرا قصة رائعة

  8. أشعر بقسوتك عليها أيها المجهول … فتلك السيدة ضحية في الأول وفي الآخر … أجدني كقارئة ولست ككاتبة متعاطفة معها لسوء حالها وما آل اليه مصيرها . .
    تقديري

  9. لا تكون المشاعر صادقة …. إلا بإعتبار مساحات واسعة لوشائجنا… و لا يكون العشق صادقا إلا أن أكون فيه فارسا .. فتبقى نفسى شامخة فوق هواهها … شكرا لك

  10. لا يكون العشق صادقا إلا أن أكون فيه فارسا دولة الهانم هذا هو وإلا فلا … تقديري وشكري

  11. (( فهذا فعلا هو ما أستحقه من نشرها )) اختي العزيزة عبلة ما تستحقيه هو الاشادة .. انا لم اشأ ان اتكلم في الاشادة فسيكفيني ذلك الاخوة المعلقون برقتهم المعهودة .. اردت فقط ان تكون زيارتي مفيدة بعض الشيء …. دعين اذن اقول بعض الاشادة .. جميل جدا تكثيف الصورة .. لم تكثري من اطراف الحوار .. اعطيتي مصطفى صفة القرابة وهي لفته ذكية كي تبعدي عن البطلة بعض الايحاءات التي لا تستحقها .. … دمتي لنا

  12. ههههههههههه
    شكرا أخي الفاضل / عماد السامرائي والله كم يسعدني تواجدك فمن خلاله أقف حيثما يجب أن يكون .. لنقدك البناء … صدقني لم أحزن بل ما زلت سعيدة بتواجدك .. وياليت من أمثالك الكثير بمدونات مكتوب . حيث أن تواجدنا بصحبة كبار الكتاب لابد وأن يعود علينا بالخير الكثير . تقديري وجزيل الشكر والاحترام .

  13. تحية طيبة لعلها المصافحة الاولى لاقول لك بكل صدق انني اطلعت على مدونتك وخاصة هذه الصفحة ووقفت عند بعض العبارات التي تحتاج منك مزيد البذل والعطاء بامكانك ان تكتبي رواية جميلة فلاتترددي في ذلك .
    يظهر انك شاعرة وهذا وحده مؤشر جيد على الابداع فالى الامام
    شكرا
    عبد السلام الغراد
    رئيس جمعية احباء المكتبة والكتاب بالمهدية : تونس

  14. تقديري وشكري أخي الفاضل / عبد السلام الغراد .. زيارة شرفت بها مدونتي … وشكرا لجميل الثناء والنصح منك أخي الفاضل



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

صورمتحركهصورمتحركهصورمتحركهصورمتحركهصورمتحركه